Audios Wolof    Français
 
 

الرئيسية > المحاضرات والخطب النصية > الخطب النصية

 
بين القيم الروحية والقيم المادية


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا...أما بعد:

فإن من المطالب الشرعية التي لا تستقيم حركة الحياة البشرية بدونها إيجادَ نوع من التوازن بين القيم الروحية، والقيم المادية،وإعطاءَ كل ذي حق حقه ؛ لأن أي طغيان لجانب على آخر يؤدي إلى خلل كبير في الحياتين الروحية والمادية معا، وقد مر المسلمون في تاريخهم على فترة طغت المادية فيها بشهواتها ومجونها وترفها على الحياة الروحية، فكانت النتيجة أن خلد كثير من قيادات المسلمين وحكامهم إلى الدنيا وتساهلوا عن أداء العديد من التعاليم الإسلامية الحنيفة، ثم كانت ردة الفعل أن جنحت طوائف من المسلمين إلى تغليب الجانب الروحي على المادي عرفوا في حقبة تاريخية بالزهاد والعباد والمتصوفة ، فكانت نزعتهم تدعو إلى ترك الدنيا وما فيها، وكانت النتيجة أيضا كارثية ،حيث أدى ذلك إلى إهمال الأخذ بالوسائل والأسباب، ووقع خللٌ عظيم في فهم المعاني الشرعية السلوكية، كالتوكل، وتربية النفس، فأصاب المسلمين جراء ذلك ضعفٌ في المجالات العلمية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين تقدم غيرهم، فأصبحنا عالة على ما يأتينا من أعدائنا ..من صناعات ومنتجات .

أيها المسلمون إننا اليوم في حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة التوازن والوسطية، في كل مظهر من مظاهر حياتنا الدينية والمادية، المادية الإيجابية التي تتخذ من وسائل الحياة مطية لإصلاح الدار الآخرة، على حد قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ القصص77 وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ البقرة143
ومتى خرجت الدنيا بما فيها عن كونها وسيلة إلى الآخرة تحولت الحياة إلى عبث بدون معنى، قال ﻷ :﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ العنكبوت64 وقال أ :﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ غافر39 وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ االشورى20

وقال تعالى في ذم من آثر الحياة الدنيا على الآخرة ، وأخرج من حسابه التوازن:﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ البقرة86
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ الروم7
وقال ﻷ :﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ إبراهيم3

أيها الإخوة،، إن المتأمل لواقعنا الإسلامي الراهن يدرك أين وصلت المادية السلبية بأمتنا، خاصة في بلادنا، يدرك كيف أنست المادية المسئولين الدينيين –الذين هم أئمة المساجد، وأصحاب البيوت الدينية العريقة، وقيادات المؤسسات الإسلامية- كيف أنست الكثير منهم مسئولياتهم الجسام في حفظ الدين عقيدته وعبادته وأخلاقه،،، مسئولياتهم في نشر تعاليم الإسلام ومحاسنه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خذ مثالا حيا مما تعيشه بلادنا هذه الأيام من الحملات الانتخابية المحمومة ، بين المرشحين لرئاسة البلاد، ومواقف شيوخ الإسلام ومسئوليه.
فخطابات المرشحين لم تتجاوز الجوانب المادية في وعودهم، وعهودهم فتحدثوا عن الزراعة وبرامج إصلاحها، وعن التشغيل وإيجاد الوظائف للعاطلين عن العمل، وعن الصحة والبرامج ذات الصلة بتعميمها وتيسيرها، وعن التعليم المدني ومؤسساته، وعن البنى التحتية للمدن وخاصة الدينية منها..وإصلاح الاقتصاد وخفض الضرائب،، ونحو ذلك،، ولم نسمع أي وعود تتعلق بدعم الإصلاح الديني والأخلاقي ، الذي يعدٌّ المهمة الكبرى المناطة على عواتق زعماء الدين وشيوخ الإسلام.. وهؤلاء المرشحون لا لوم عليهم في ذلك ؛فإنهم في مثل هذه الظروف يتحرون احتياجات الناخبين المفترضة فيعدونهم بها، ولو علموا أن شيوخ الإسلام يرغبون في الإصلاح الديني لأتوهم راغمين.
وللمتأمل لهذه الحال أن يتساءل متى يخرج شيوخ الإسلام في مثل هذه الظروف عن صمتهم، وعن الكلام العام الذي لا يتجاوز الدعوة إلى السلام دون تفصيل؟ متى نرى من شيوخ الإسلام من يرفع صوته في بيانات تسمع وتقرأ في دعوة هؤلاء المرشحين إلى ضرورة الاهتمام بمدارس القرآن التي تعاني معاناة لا تخفى على أحد في هذه البلاد،؟
وفي دعم المساجد والهيئات الدينية،؟ والاهتمام بالتعليم العربي الإسلامي،؟ وفي تعديل قوانين الأسرة التي تناقض الشريعة الإسلامية في مسائل تمس حياة المسلمين بشكل مباشر؟ وضرورة إيجاد برامج واضحة في الإصلاح التربوي للشباب، والعمل على محاربة المخدرات والخمور، والدعارة، وتنقية وسائل الإعلام من كل ما يفسد الأخلاق، ويخدش الشرف، وإعطاء جانب من الاهتمام بإيقاف ذلك المد الجارف من الملل والنحل الوافدة التي تدمر عقائد أبناء المسلمين وأخلاقهم. أيها الإخوة المسلمون ،، هذه المطالب والطموحات هي التي كان ينتظر من شيوخ الإسلام والمسئولين الدينيين أن تكون نصب أعينهم، ولكن طغيان المادية على اهتمامات الكثير، وغلبة المصلحة الشخصية على مصلحة الجماعة،باتت هي ظاهرة هذا العصر،،والله المستعان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ التوبة38
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وآمنا في أوطاننا ودرونا.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا مريضاً إلا شفيته ولا ميتاً إلا رحمته ولا ديناً إلا قضيته ولا مبتلى إلا عافيته ولا عسيراً إلا يسرته ولا كرباً إلا نفسته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا يسرتها.

تحميل

 
 
إعلان عن بدء التسجيل في جامعة المدينة العالمية:

تعلن الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال لعموم طلاب العلم في المنطقة عن البرامج الأكاديمية الجديدة التي تقدمها جامعة المدينة العالمية بماليزيا لكافة الطلاب في المراحل الجامعية المختلفة بأسعار معقولة في قسميها المباشر والبعيد ويمكن زيارة موقع الجامعة للاطلاع على المزيد. http://www.mediu.edu.my/ar/

إعلان هام:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيد المرسلين بينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،، أما بعد: فيقول أبو إبراهيم محمد أحمد لوح : إن هذا الموقع ( www.drmalo.com)هو المعبر الالكتروني الرسمي عن مقالاتنا وخطبنا ودروسنا ومحاضراتنا وبحوثنا ومؤلفاتنا، وأي نص منشور في الشبكة، أو منسوخ منها منسوب إلي ولا يؤخذ بحرفيته من هذا الموقع فهو يعبر عن وجهة نظر ناشره، وليس عن وجهة نظري بالضرورة.. والله الموفق..

إعلان:

صدر حديثا كتاب "معالم الطريق إلى البحث والتحقيق" تأليف د/ محمد أحمد لوح -رسالة في مناهج البحث العلمي وأصول تحقيق المخطوطات. ويطلب من المكتبات التالية:
1- ركن الخدمات التجارية في الكلية الإفريقية.
2- مكتبة وتسجيلات الاستقامة في بارسيل وحدة 19
3- مكتبة دار السنة في كولوبان.
4- مكتبة دار الأمة في كولوبان.
والله الموفق