Audios Wolof    Français
 
 

الرئيسية > المحاضرات والخطب النصية > الخطب النصية

 
الغرباء


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإنها وصية الله للأولين والآخرين: ﴿ ولقد وصينا الذين من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾
روى مسلم في صحيحه عن أبي هـريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء" [1] .
وعن سهل بن سعد الساعدي عن الـنـبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال :" إن الإســلام بدأ غريباً وسـيـعـود غريباَ كما بدأ ، فطوبى للغرباء، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال :"الذين يَصلُحون إذا فسد الناس"  [2]. وروي بلفظ : "قيل ومن الــغـربــــاء ؟ قال : النُّزاع من القبائل" [3].
كما روى عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- : " طوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : أناس صالحون في أناس سوء كثير ، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"  [4] .
في الحديث الأول بيان مبدإ الإسلام ، وأنه بدأ غريباً بين الأديان ، وكان أهله غرباء بين الناس ، وكان المستجيب له غريباً بين أهله وعشيرته، يؤذى بسبب ذلك ويفتن في دينه، ويـعـادى على ذلك ، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله مطيعين لأوامر رسوله حتى قوي الإســـــلام واشتد عوده في المدينة فزالت غربته عندما انتشر في أرض العرب ، وكان أهله هم الظاهرين على من ناوأهم.
ثم أخبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسلام سيعود غـريـباً كما بدأ لقلة المتمسكين به . وهذه الغربة تزداد شيئاً فشيئاً بسبب دخول فتنة الشبهات والشهوات على الناس ..أما فتنة الشبهات فقد بين الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة . [5]
وأمــا فـتـنـة الشهوات فقد بين الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك حيث قال : "والله ما الـفـقــر أخـشـى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" [6] .
وفـتـنـة الشبهات لا ينجو منها إلا الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث . " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" [7] ولا شك أنهم الغرباء في آخر الزمان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمنا الله وإياه :
".. وقد تـكـون الغربة في بعض شــرائـعه ، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة . ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يـصـير بـه غريباً بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد. ومع هذا فطوبى لمن تمسك بالشريعة كما أمر الله ورسوله "ا هـ.
قال ابن القيم رحمنا الله وإياه:
".. فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جداً سُمُّوا غرباء ، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات . فأهل الإسلام في الناس غرباء . والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء . وأهل العلم في المؤمنين غرباء ، وأهل السنة -الذين يميزونها من الأهواء والبدع- منهم غرباء . والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين . هم أشد هؤلاء غربة . ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً ، فلا غربة عليهم ، وإنما غربتهم بين الأكثرين".
وقال أيضاً : "ومن صفات هؤلاء الغرباء -الذين غبطهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- - التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس ، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة. بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده ، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده . وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً وأكثر الناس - بل كلهم -لائم لهم . فلغربتهم بين هذا الخلق : يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم".
وقال أيضاً : "فإذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه ، وفقهاً في سنة رسوله ، وفهماً في كتابه وأراه ما الناس فيه : من الأهواء والبدع والضلالات ، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه . فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه واذدرائهم به ، وتنفير الناس عنه ، وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلونه مع متبوعه وإمامه -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه: فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل . فهو غريب في دينه لفساد أديانهم ، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم" [8] .
ونجد في كتب السلف مدح السنة وأهلها ، ووصفهم بالغرباء الشيء الكثير:
قال الأوزاعي: "أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة ، ترفقوا - يرحمكم الله- فإنكم من أقل الناس ". وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي :" إني أدركت من الأزمنة زماناً عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريباً كما بدأ، إن ترغب إلى عالم وجدته مفتوناً بحب الدنيا، يحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلاً في عبادته مخدوعاً صريعاً غره إبليس قد صعد به إلى أعلى درجة العبادة، وهو جاهل بأدناها ، فكيف له بأعلاها، وسائر ذلك من الرعاع ، همج عوج ، وذئاب مختلسة ، وسباع ضارية ، وثعالب ضوار " وقال الآجري في وصـفــــه الـغريب:" فلو تشاهده في الخلوات يبكي بحرقة ويئن بــزفــرة، ودموعه تسيل بعبرة، فلو رأيته وأنت لا تعرفه لظننت أنه ثكلى قد أصيب بمحبوبه وليس كما ظننت ، إنما هو خائف على دينه أن يصاب به ، لا يبالي بذهاب دنياه إذا سلم له دينه ، قد جعل رأس ماله دينه يخاف عليه الخسران " ا هـ.
وكما بين الحديث أن الغرباء قلة في الأزمان، من يطيعهم قليل ومخالفوهم كـثـيـر، وهــــم صنفان :
أحدهما : من يصلح نفسه عند فساد الناس.
والثاني : من يصلح نفسه ويصلح ما أفسد الناس من السنة وهو أعلى الصنفين وأفضلهما.

صفة الغريب الذي لو أقسم على الله لأبره :
والغريب قد يكون غير مشتهر عند الناس ، ولا يأبه له كما ورد في ذلك بعض الأحاديث ، منها : حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال : "طوبى لعبد مغبرة قدماه في سبيل الله عز وجل ، شاعث رأسه ، إن كانت الساقة كان فيهم ، وإن كان في الحرس كان منهم ، وإن شفع لم يشفع ، وإن استأذن لم يؤذن له ، طوبى له ، ثم طوبى له" [9] .
وعن أنس -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- : "رب أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله عز وجل لأبره " [10] .
روى مسلم في صحيحه عن عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ :"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ."
وروى البيهقي في الأسماء والصفات أن عمر بن الخطاب دخل المسجد فوجد معاذ بن جبل جالساً إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يبكي فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك - لرجل من أصحابه - ؟ قال : لا . ولكن حديثاً حدثنيه حبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنا في هذا المسجد. فقال: ما هو يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: أخبرني أن الله عز وجل يحب الأخفياء، الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفـتـقــدوا، وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فـتـنة عمياء مظلمة [11].
يقول الآجري -رحمنا الله وإياه - :"من أحب أن يبلغ مراتب الغرباء فليصبر على جفاء أبويه وزوجته وإخوانه وقرابته . فإن قال قائل : فلم يجفوني وأنا لهم حبيب وغمهم لفقدي إياهم إياي شديد ؟ قيل : لأنك خالفتهم على ما هم عليه من حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها ، ولتمكن الشهوات من قلوبهم ما يبالون ما نقص من دينك ودينهم إذا سلمت لهم بك دنياهم ، فإن تابعتهم على ذلك كنت الحبيب القريب ، وإن خالفتهم وسلكت طريق أهل الآخرة باستعمالك الحق جفا عليهم أمرك ، فالأبوان متبرمان بفعالك، والزوجة بك متضجرة فهي تحب فراقك، والإخوان والقرابة قد زهدوا في لقائك. فأنت بينهم مكروب محزون، فحينئذ نظرت إلى نفسك بعين الغربة فأنست بمن شاكلك من الغرباء ، واستوحشت من الإخوان والأقرباء ، فسلكت الطريق إلى الله الكريم وحدك ، فإن صبرت على خشونة الطريق أياماً يسيرة واحتملت الذل والمداراة مدة قصيرة ، وزهدت في هذه الدار الحقيرة أعقبك الصبر أن ورد بك إلى دار العافية، أرضها طيبة ورياضها خضرة، وأشجارها مثمرة ، وأنهارها عذبة..." ا.هـ

وأسأل الله لي ولكم أن لا يحرمنا من أجر الغرباء وثواب الأتقياء والأخفياء. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات فاستعفروه فإنه هو الغفور الرحيم.

الجمعة 1425/3/24هـ الموافق 2004/5/13م

[1] صحيح مسلم رقم 145

[2] سلسلة الأحاديث الصحيحة ، رقم 1273

[3] رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي . انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ، رقم1273.

[4] رواه أحمد وانظر:سلسلة الأحاديث الصحيحة ، رقم1619.

[5] انظر رواياته في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 204،205

[6] رواه البخاري في صحيحه.

[7] رواه البخاري في صحيحه.

[8] مدراج السالكين 3 / 194-201.

[9] رواه البخاري تعليقاً ، والطبراني بإسناد صحيح.

[10] رواه الترمذي وحسنه.

[11] قال محقق كتاب الغرباء : إسناده صحيح ، وروي بطرق كثيرة فيها ضعف.

تحميل

 
 
إعلان هام:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيد المرسلين بينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،، أما بعد: فيقول أبو إبراهيم محمد أحمد لوح : إن هذا الموقع ( www.drmalo.com)هو المعبر الالكتروني الرسمي عن مقالاتنا وخطبنا ودروسنا ومحاضراتنا وبحوثنا ومؤلفاتنا، وأي نص منشور في الشبكة، أو منسوخ منها منسوب إلي ولا يؤخذ بحرفيته من هذا الموقع فهو يعبر عن وجهة نظر ناشره، وليس عن وجهة نظري بالضرورة.. والله الموفق..

إعلان:

صدر حديثا كتاب "معالم الطريق إلى البحث والتحقيق" تأليف د/ محمد أحمد لوح -رسالة في مناهج البحث العلمي وأصول تحقيق المخطوطات. ويطلب من المكتبات التالية:
1- ركن الخدمات التجارية في الكلية الإفريقية.
2- مكتبة وتسجيلات الاستقامة في بارسيل وحدة 19
3- مكتبة دار السنة في كولوبان.
4- مكتبة دار الأمة في كولوبان.
والله الموفق